أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
277
شرح مقامات الحريري
[ طيبة ] طيبة مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وطيّب اللّه تربتها بأن صيّرها موطنا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، في حياته ومستقرّا له بعد مماته . وذكر شيخنا ابن جبير المدينة فقال : للمدينة المكرّمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كلّ سور باب يقابله آخر : باب الحديد ، وباب الشريعة ، وباب القبلة ، وباب البقيع ، وبين سورها الغربيّ وخندق النبي صلّى اللّه عليه وسلم مقدار غلوة ، وبين السور والخندق عين النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعليه حلق عظيم مستدير ، ومنبع العين وسطه ، كأنه الحوض المستطيل ، وتحت العين سقايتان بينهما جدار لطهر الناس وغسل أثوابهم ، والعين للاستقاء والعين تمد السقايتين ، وتهبط إليهما على خمس وعشرين درجة ، وماؤها يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة . وبمقربة من الحوض ممّا يلي الحوض حجر الزيت ، يقال : إنّ الزيت رشح للنبي صلّى اللّه عليه وسلم من ذلك الحجر . وبالقرب منه بئر بضاعة وبإزائها من الجهة اليسار جبل الشّيطان حيث صرخ يوم أحد : قتل نبيكم . وعلى شفير الخندق حصن العزّاب ، وهو خرب . كان عمر رضي اللّه عنه بناه لعزّاب المدينة ، وأمامه لجهة الغرب على بعد بئر رومة التي اشتراها عثمان رضي اللّه عنه بعشرين ألفا . وداخل باب الحديد سقاية يهبط إليها على أدراج ، وهي بمقربة من الحرم المكرّم ، وبقبليّ الحرم دار مالك بن أنس رضي اللّه عنه . ويطيف بالحرم شارع مبلط بالحجر المنحوت ، وفي جوفي المدينة جبل أحد على ثلاثة أميال منها ، وبقبليّة مسجد حمزة ، وقبره برحبة بجوفي المسجد ، وبإزائه قبور الشهداء ، وحوله تربة حمراء أنزل فيها سورة الفتح الشريفة ، وشرقي المدينة بقيع الغرقد ، وإذا خرجت على باب البقيع تلقي على يسارك قبر صفيّة عمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأم الزبير ، وأمامها قبة مختصرة البناء على قبر مالك بن أنس . وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه وسلم عليه قبة بيضاء وعلى يمينها قبر عبد الرحمن بن عمر ، الذي جلده أبوه الحدّ فمات ، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب وعبد اللّه بن جعفر ، وبإزائه روضة صغيرة فيها ثلاثة من أبنائه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويليها روضة العباس والحسن رضي اللّه عنهما ، وعليها قبة مرتفعة في الهواء ، وقبراهما مرتفعان على الأرض مغشيان بألواح ملتصقة أبدع التصاق ، مرصعة بالصفائح الصّفر مسكوكة بمسامير على أبدع صفة ، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم عليه السلام ابن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي آخر البقيع قبر عثمان بن عفان الشهيد ، وعليه قبة مختصرة البناء ، وبمقربة منه قبر فاطمة بنت أسد أم عليّ كرم اللّه وجهه ، ومشاهد البقيع أكثر من أن تحصى لأنها مدفن الصحابة رضي اللّه عنهم . وقبل المدينة على نحو الميلين قباء ، وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرّمة ، وبها المسجد الذي أسس على التقوى وهو مربع مستوى الطول والعرض له باب واحد من جهة الغرب ، وهو سبع بلاطات في الطول ، ومثلها في العرض ، وفيه صومعة طويلة بيضاء تظهر على البعد ، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، عليه حلق قصير شبه الروضة ، يتبرّك الناس بالصلاة فيه وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مسطبة ، وهو أوّل موضع ركع فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ،